الخميس، يونيو 26، 2008

في جدة بعيدا عن السياسة


بعد أخر مقالتين عن السياسة ومشاكلها, وبعيدا عن كل شيء مزعج سأتحدث عن زيارتي لمدينة جدة.

قمت مؤخرا بزيارة مدينة جدة, في الحقيقة الزيارة لم تكن لجدة تحديدا, وإنما لمكة, حيث اعتدت انا وأصدقاء العمل ان نذهب لمكة كل ثلاث اسابيع تقريبا, وذهبنا في مرة من المرات إلي المدينة المنورة, في الواقع, مهما حكي لك أحد عن زيارة هاتين المدينتين, فلن يكون بمثل تأثير الزيارة نفسها, أكاد أقسم ان مكة والمدينة بهما خاصيتين لن تجدهما في اي مكان اخر في العالم, وهو أنك لن تمل زيارتهما قط, وستجد -وصدقوني في هذا- أن كل زيارة تشعر وكأنها أول مرة تزور فيها المكان, وخصوصا مكة عندما تقف أمام الكعبة, ذلك من فضل الله علي هذة الارض المباركة.

جربت السفر من الرياض لمكة بكافة الانواع, سيارت خاصة, اتوبيسات, وأيضا طائرات, أكثرهم أمتاعا هي السيارة في وجهة نظري, حيث يتحقق معني "شد الرحال" اللذي ذكره الرسول صلي الله عليه وسلم, لاتجد ه متحققا في رحلة الطائرة اللتي هي أيضا أكثرهم راحة حيث تستغرق الرحلة ساعة وعشرون دقيقة من الرياض إالي مكة, وبالسيارة من ثمان إالي عشر ساعات, وباالاتوبيس حوالي اثني عشر ساعة.

في مكة سوف تجد الكثير لتفعلة, من مناسك عمره لتؤديها, إلي حضور دروس العلم, إالي البقاء والاعتكاف في المسجد الحرام, وغيره من الاشياء, أما المدينة فلن يكون هناك غير زيارة الرسول صلي الله عليه وسلم والبقاء في المسجد, لذلك تجد المدينة أكثر راحة وهدوؤا من مكة بكثير.

علي الرغم من الملاين اللذين يتوافدون علي مكة والمدينة كل عام, بل كل شهر فلن تجد المكان غير نظيف او به قذارة أو أي أشياء أخري من هذا القبيل, علي العكس ستجدة نظيفا جدا وجميلا جدا وهذا يعود إالي اهتمام القائمين علي ادارة المسجد بنظافته أيما اهتمام, فلقد وجدتهم أحرص الناس علي خدمة هذا المكان الطاهر المبارك والعناية به, حتي في اشد لحظات الزحام اثناء الطواف سوف تجد من يهتم بالنظافة وازالة اي مظهر من مظاهر القذارة اللتي قد تتواجد نتيجة وجود تلك الاعداد الهائلة من البشر في مكان لا تزيد مساحتة علي كيلو متر مربع واحد, بارك الله لهم وجزاهم عن المسلمين خيرا.


في مكة, لن تجد مثل الطواف بالكعبة شيئا ممتعا, فالطواف وسط ملاين الناس حول البيت الحرام يجعل في نفسك شيئا مهيبا, وهنا يتحقق بالفعل معني الاسلام ألا وهو الاستسلام لله جل وعلا, فالبيت كبناء مجرد ليس له قيمة, ولكن أرتباطة بأمر من الله للطواف حوله والسمع والطاعة لهذة الاوامر هو لبٌ الاسلام, أيضا تقبيل الحجر الاسود له نفس المعني كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقد تستغربون إذا علمتم انه بعد ثلاث زيارت لمكة حتي الان لم أقبل الحجر ولو لمرة واحدة, ليس كسلا أو عدم مقدرة, ولكن لكي لا أزاحم الناس فالتدافع عند الحجر الاسود شديدا جدا, حتي انك لن تستطيع أصلا الوصول إليه, أما ما يغظيني فعلا انه في وسط هذا الزحام تجد نساء يتدافعن لتقبيل الحجر ولاحول ولاقوة إلا بالله, أي بلاء هذ, أمرأة تتدافع وسط الرجال حتي تحصل سنة فترتكب مئات الذنوب, أين ولي أمرها ليمنعها من هذا العبث!!.

من الأشياء اللطيفة اللتي تجد نفسك تفعلها تلقائيا هي انك تتعرف علي من حولك من المصلين في المسجد, حيث تجد بشرا من كل اجناس الارض وبأعداد كبيرة ففي المسجد الحرام وحده يجتمع مليون شخص تقريبا يوم الجمعة لأداء الصلاة, وفي أحدي الجمع قابلت محمد إرشاد من باكستان ومصطفي من سوريا, تحدث كل منهم عن مشاكل بلده وخصوصا فيما يخص الاسلام والدعوة, محمد إرشاد قال ان الحكومة في باكستان بدأت تحكم قبضتها علي المدارس الدينية وبدأت تضيق الخناق عليها, أما مصطفي فقال ان الحكومة الشيعية في سوريا أطلقت يد حركات التشييع الأيرانية داخل المجتمع السوري وبدأ تبني الكثير من الأيات وهي المقابل الشيعي لمفهوم مدرسة دينية, تللك الحركات الشيعية تستخدم كل ما هو متاح من أموال وأغراءات لتشييع الناس, الحمد لله ليست الاعداد كبيرة, ولكن الخطر الشيعي لازال قائما.

نعود لجدة, في أخر زيارة لمكة كنا مدعويين عند صديق لا حد أصدقاءنا وكان يسكن في جده, وهي تبعد عن مكة حوالي ثمانين كيلو بالسيارة, وجدة مدينه ساحلة جميلة جدا تطل علي البحر الاحمر مباشرة, وبها الميناء والمطار الرئسيين لها ولمكة أيضا, الشوارع في جدة نظيفة جدا والجو مشبع بالرطوبة حيث ذكرني بجو دبي تماما, نفس الرطوبة العالية ودرجة الحرارة اللتي تقترب من الاربعبن, والشوارع النظيفة المرتبة وغيرها من الاشياء.

ذهبنا عند هذا الصديق في فيلاته اللتي تقع في احد الاحياء الراقية في جدة, وقد كان الرجل ظريفا جدا ولطيفا للغاية ويتحدث بلهجة المصريين في بعض الاحيان فقد زار مصر مئات المرات حيث يحرص علي قضاء اجازة الصيف فيها, ولكن هذه السنة فسوف يقضيها في ماليزيا, بعد ترحيب الرجل بنا ظهر الكرم العربي السعودي حيث وجدنا مائدة عامرة بما لذ وطاب من الاكل السعودي اللذي تستطيع ان تقول انه يتلخص في صنفين اساسين: الارز واللحوم, بعدة طرق مختلفة طبعا, ولكن في نهاية الامر هو أرز + لحووم, الاكل كان لذيذا للغاية في الواقع, وتلا الاكل اصناف لم أر مثلها من الحلويات المعملولة في المنزل كما أخبرنا الرجل الكريم.

يشاء الله ان يكون يوم ذهابنا لهذا الرجل هو نفس يوم وصول ابنه الاكبر من أنجلترا, حيث يدرس هناك هندسة الكهرباء, وعندما استفسرت منه عن دواعي السفر وهل لايوجد في المملكة تخصص هندسة الكهرباء, قال لي انه يوجد بالتأكيد ولكن الحاصل ان عدد المتخرجين من الثانوية في المملكة يفوق الاعداد المسموح بها في كل كليه, فتقوم الحكومة بأختيار النسبة الزائدة من الطلبة المتفوقين وتسفرهم إالي دول العالم للدراسة هناك, فهناك من يسافر إلي أستراليا, وكندا, وأمريكا بالاضافة إالي بريطانيا, ذكرني هذا بكليتي اللتي كنت ادرس بها حيث كان العدد المسموح به في الكلية هو 300 شخص علي الاكثر حتي تتحقق الاستفادة, الان وصلت الاعداد إالي 700 فرد في الدفعة, ولما سألت عن السبب قالوا الي انهم مضطرون لقبول تلك الاعداد, فأين يذهبون إذا لم تقبلهم الكلية!!!

الرجل كان كريما معنا كما قلت وكان يتحدث معنا عن مصر اللتي يعتبرها وطنه الثاني بدون مبالغة, فهو يحرص علي زيارتها كل عام, وله فيها أصدقاء منذ السبعينيات يحرص علي لقائهم كل عام, واكثر من يضايقة في مصر كما قال هو سائقي التاكسي, فهو يري انهم يستغلون السائح جدا, لذا فهو مرتبط مع سائق واحد فقط يتعامل معه كلما نزل إالي مصر, وقد قال انه أذا وصل ولم يجد هذا السائق فإنه يفكر جديا في الرجوع, وما أسهله بالنسبة له فهو يعمل في الخطوط الجوية السعودية, وكما قال في دول العالم الاخري يعطون السائقين دروسا محترفي في كيفية التعامل مع السياح, وعن ماذا يتحدثون ومتي يتكلم ومتي يصمت وهكذا.

ما لفت نظري هو انه تقريبا هناك سيارة لكل فرد في الاسرة, بإستثناء النساء بالطبع بسبب وجدو حظر عليهم في قيادة السيارات, وهذة يبدو انه سمة من سمات الاسر السعودية المتوسطة والغنية,فكم غيرمرة اجد شبابا في سن المراهقة يقودون سيارات في الرياض , بل الاعجب من هذا واللذي اكاد اجزم انه ليس له هناك مثيل في دول العالم هو هؤلاء الشباب المتهور اللذي يقود موتسيكلات البيتش باجي في الشوارع الرئيسية, ولا يقودونها فرادي, بل قد تكون واقفا وتجد سربا من ثلاثين لأربعين بيتش باجي يمر من امامك مغلقا الشارع ومعطلا المرور, هذا كله بدون أي تدخل من الشرطة, أو قد تتدخل ولكن البيتش باجة له قدرة فائقة علي المناوة وسط الشوارع!

بعد جدة عدت مرة أخري إلي الرياض, حيث الحياة المعتادة, الشيء اللطيف في الرياض هو صلاة الجمعة في مسجد البواردي الكبير حيث يخطب في الناس فيه الدكتور محمد العُريفي بأسلوبه الجذاب الرائع, وبفضل الله بعد كل صلاة جمعة يأتي عشرة أشخاص أو أكثر ليعلنوا إسلامهم, من كل الجنسيات يأتي أشخاص ليعلنوا إسلامهم شيء مفرح جدا في الواقع, بعد اشهار الاسلام تبدأ جموع المصلين في تهنئة المسلمين الجد, مشهد مؤثر بحق, حيث تجد الجميع يتصافح ويتعانق وهم أصلا لا يعرفون بعضهم, فقط شيء واحد يجمّعهم: الإسلام.

بأستثناء زيارة مكة والمدينة, ومرة من المرات ذهبت إالي الخُبر, فليس هناك اشياء اخري لأحكي عنها, أعود لمصر كل اسبوعين أو ثلاثة لامكث اسبوع ثم أعود للسعودية مرة أخري, العمل بدأ يزداد, الملل بدا يقل وهذة هي الميزة الوحيدة لأن تكون مضغوطا في العمل, ليس لأن ضغط العمل شيء ممتع ومثير بقدر ما أنه لا يترك للك وقت لتشعر بالملل!, الحياة أيضا بدأت تسير برتابة منذ فترة, لا أدري لماذا, الأمر ليس مرتبطا بالعمل أو السعودية, ولكن هي حالة عامة أمر بها منذ فترة, لم أعد أشعر بطعم الاشياء كالسابق, لم يعد يفرق معي ماذا سأكل, أو سأشرب أو سأرتدي, الامر سيان معي في كل شيئ, هناك حالة عامة من الرضي والقنوع,أيضا بدأت أميل أكثر للهدوء والسكون, ترى, هل وصلت للمرحلة التي يبدأ فيها كل رجل تقييم حياته ما لها وما عليها؟ الرجال يفعلون هذا تلقائيا عند تجاوز الاربعين, لا أدري, أصبحت ذو مرجعية داخلية في كثير من الاحيان, هل لهذ علاقة مع كثرة ترددي علي الاماكن المقدسة, حيث تجد وقتا لتفكر فيما تفعلة وتقيمه في جو مليئ بالروحانيات؟ هذا الوقت لاتجده في اي مكان اخر, أو قد يكون بسبب كثرة الغياب عن الاهل والاصدقاء والزملاء, أو هو بسبب عدم وجود أشياء مثير لأفعلها في السعودية كسائر الدول اللتي زرتها, الامر يحتاج للتفكير, علي أي حال أنا لست متضايقا من هذا الامر, ولكني فقط غير معتاد عليه, اللطيف في الموضوع هو أنك تشعر وكأنك شخص أخر يراقب نفسه, فتجد نفسك تنظر ماذا تفعل في ذاك الموقف وهذا الموضوع, ثم تقيم نفسك لتعرف أكنت مخطئا أم مصيبا, يحتاج الواحد منا دائما ان يفعل هذا مع نفسه لفترة معينه, ولكن بدأت اشعر ان تلك الفتر قد طالت وأصبحت في حاجة ماسة لكي أكون "أنا" مرة أخرى!!

هناك 5 تعليقات:

ظل الشمس يقول...

ارجع مصر اسبوعين وانت ترجع زى ما كنت تانى
اصل الحياة هنا مش هاتخلى من صحاب ولمة عيلة وجيران وقرايب من بعيد ليهم حكايات كمان مناقشات عن العيش والحديد والبنزين والمواصلات
صدقنى حالة السكون والرضا دى جميلة اوى ربنا يديمها عليك ولو انى عارفة انها مش هاتدوم الا بالبعد عن مصدر المشاكل
لكن انا حاسة بكلامك دا لانى عارفة يعنى ايه تكون بعيد وتشتاق لنفسك ولمكانك حتى لو كان دا مزعج ومقرف احيانا:)
شوقى لان ربنا ينعم عليا بعمرة ويا حبذا لو حج زاد اوى اوى لما قريت البوست بتاعك
ربنا يكتبهالى ويكتبها لكل اللى بيتمناها

قررت أكون عانس يقول...

احاسيس جميلة نقلتها من خلال البوست حسستنى ان نفسى احج و اعمل عمرة

صحيح عملت حج و عمرة كمان بس للاسف كان عندى 6 سنين يعنى مش فاهمة كنت بعمل ايه

wafaa يقول...

ربنا يثبتك على دينه ويكرمك ويتقبل منك , جو مكة والمدينه والتواصل الروحى يكتمل بالتزام من حولك , بتطوف مع ملايين القلوب المشتاقة لله وغفرانه , لكن رسولنا وصانا " لا تكن امعة اذا احسن الناس احسنت واذا اساء الناس اسأت "
اتمنى تكون روحك بنفس الاقبال على عبادة الله حتى بعد رجوعك لبلدك بالف سلامة

تقبل مرورى ولك تحياتى واحترامى
وفاء

Walaa Elshamloul يقول...

مدونتك جميلة يا عمرو
واتمنى ان تواظب على استمرارية الكتابة
واشكرك على زيارة مدونتى المتواضعة
وان كنت اريد رايك فى مضوع رجل وامرأة المنشور بها
واتمنى ان تشرفنى بالزيادة دائما
خالص تحياتى وتقديرى

Noodles يقول...

in 3 weeks there, i tried all traffic means. but the worst was from Reyadh to Menah by bus, it took 24 hrs :S wasnt the best trip ever, but sure it was worth it.
@the clean places: my brother told me: i dare you to find one single lamp in almasjed elnabawy that is broken or out of service msA :) & its true!
@elnas eley bete3len islamha: its so affecting, the number is msA mofre7.
aih da, i think i know this period ur talkin about & the prj hehe. life is so weird