السبت، ديسمبر 13، 2008

دكتور جلال أمين ... وماذا علمته الحياة


أنتهيت من قراءة كتاب "ماذا علمتني الحياة" للدكتور العظيم جلال أمين.

الكتاب من كتب السيرة الذاتية الممتعة جدا, الحق أقول لكم, هذا أفضل كتاب سيرة ذاتية قرأته حتي الان.

الكتاب يقع في 400 صفحة من الحجم الكبير, ويصدر عن دار الشروق للنشر, وقد صدر منه حتي الان اربعة طبعات.

سر إمتاع الكتاب في رأي هو انه صادر عن كاتب وأستاذ, ومثقف مصري عظيم هو الدكتور جلال أمين, حيث يسرد سيرته الذاتية وتجربة 70 عام من الحياة في مصر وأمريكا والدول العربية عارضا فيها كل تجاربه الممتعة والمشوقة والحزينة والمأسوية في بعض الأحيان بمنتهي الشفافية والصدق الشديد حيث يؤمن الكتاب بمقولة الكاتب البريطاني الكبير –وهو أيضا الكاتب الأثير عنده وصاحب الرواية الشهيرة 1984- جورج أوريل "إن كتابا في السيرة الذاتية لا يمكن أن يصبح محلا للثقة إلا إذا كشف بعض الأشياء التي تشين صاحبها", ولذلك تجد الكتاب –في بعض الأحيان- يعرض بعض القصص عن الكاتب أو أفراد عائلته التي قد يجدها البعض "صريحة" أكثر من اللازم, علي أي حال هذا أيضا يدل علي الحرص الشديد لدي الكاتب لكتابة كل شيء بصدق وشفافية.

أكثر ما أعجبني في الكتاب هو علاقة الكاتب الرائعة بأبيه الأديب الكبير أحمد أمين, الذي له أيضا كتاب رائع في السيرة الذاتية أسمه "حياتي" لازلت أبحث عنه في الواقع.

تللك العلاقة الرائعة بين الأب والأبن والتي في الحقيقة بهرتني بشدة, حيث ظهر لي من خلال الكتاب ماذا تعني كلمة ان يكون الاب متفهما لمتطلبات ورغبات أبنه بحق, الاب الذكي هو الذي يوجه أبنه من بعيد وبطريقة غير مباشر لما يمكن ان ينفعه في حياتة, ويترك له فرصة التجربة والاختيار, كفانا من جملة "إفعل كذا" أو "لا تفعل كذا" التقليدية.

مثال ذلك انه في مرة من المرات دخل الاب أحمد أمين علي ابنه الصغير جلال ووجده يدندن ببعض الاغاني والالحان التي كانت مشهورة في تلك الفترة, فما كان منه إلا انه بعد اسبوع جاءه بألة كمان حديثة ليتعلم عليها العزف, وفرح بها الصغير جدا وبدأ يتعلم عليها, وعندما وجد الاب ان أبنه يتعلمها بصعوبة فجاء إليه بمدرس إيطالي ليعلمه العزف الصحيح, وقد تعلم منه جلال كيفية مسك الكمان ومبادىء العزف البسيطة, غير أنه –كما ذكر في الكتاب- أدرك انه يحب الموسيقي ولكن ليس لدرجة تعلمها.

مرة أخري كانت أمه –زوجة أحمد أمين- مريضة في المستشفي وكان مفترضا ان تخرج من المستشفي وتعود إلي المنزل في يوم معين فقام جلال بمحاول عمل اي شيئ ليعبر عن سعادته بعودة أمه إالي البيت فكتب بيتا من الشعر قائلا:

أمي العزيزة قد أتت ... أمي العزيزة قد أتت

وتوقف ولم يعرف ماذا يكمل, فذكر ذلك لابيه فكتب له أبوه البيتان التاليان ليشجعة علي ان يكمل:

هيا بنا إليها ... نلقي السلام عليها
ونقول يا أم أهلا ... ومرحبا وسهلا

غير ان الصغير لم يستطع أن يكمل وأيضا عرف انه يحب ان يقرأ الشعر, ولكن ان يكتبة ويؤلفه فهذا شيئ أخر.

أما تعامل الأب احمد أمين مع زوجته -أم جلال- فيبدو لي خياليا ولا اكاد اصدق انه رجل متسامح ومحب لبيته وأسرته لهذة الدرجة, فمن المواقف المذكورة في الكتاب ان العائلة كانت تسكن في فيلا جميلة من دورين في مصر الجديدة يملكها الاب أحمد أمين, وكانت زوجته مثلها مثل اغلب النساء في تلك الفترة تري ان الامان كله مع الزوج يتلخص في شيئين, ان تنجب منه الاولاد, وان يكون معها مالا خاصا بها, وإذ هي حققت الاول بسبعة من الاولاد فكان تحقيق الثاني يتطلب بعض الدهاء الانثوي, فقد كانت تطلب من الزوج مصروفا يزيد عن حاجة البيت الفعلية, ثم تستقطع منه وتدخر مع نفسها في البوسطة, وتطالب الزوج بالمزيد كل فتره وهو يعلم ما تفعل ويتغاضي عن هذا ويوافق بهدوؤ علي زيادة المصروف, حتي فاجئته يوما بأنها اتدخرت ثلاثمئة جنيه وتنوي شراء نصف الفيلا منه -وقد كانت تساوي اكثر بكثير من هذا المبلغ الزهيد- فوافق الزوج بود علي ذلك وكتب لها نصف المنزل بأسمها, واستمرت الزوجة تدخر المال مرة أخري حتي جاءت بعد عدة سنوات اخري وأعلنت انها تنوي شراء النصف الاخر منه, فوافق الزوج مرة أخري وكتب لها النصف الاخر من المنزل وهو يعلم ان كل هذة الاموال التي تشتري بها المنزل هي في الاصل ما كان يعطيها اياه من مصروف للمنزل, وهكذا أصبحت الفيلا كلها ملكها بأقل من ألف جنيه وبعد فترة كانت الزوجة تمزح معه من انه الان يسكن في بيتها وانه لا يدفع ايجار, فتحولت المزحة إلي واقع وقرر الزوج أحمد أمين إيجارا شهريا يبلغ 20 جنيها, و20 جنيها في الاربعينيات كانت ثروة لا بأس بها فضلا علي ان تكون إيجارا شهريا.

رجل عاقل وأخلاقه رفيعة جدا, ويجب أن يؤخذ كمثال للزوج الذكي العاقل الذي يعرف ما تفعل زوجته ولكنه يتغاضي عنه "بمزاجه" كما نقول, والحكمة الشهيرة تقول "العاقل هو الفطن المتغافل". وإذا كان الاب أحمد أمين هكذا, فلا عجب ان يكون الأبن مثل جلال أمين, وقد أستفاض الابن جلال مين في الكلام عن أبيه أحمد أمين في كتاب أخر رائع أسمه "شخصيات لها تاريخ".

هذه نماذج قليلة من الموجود في الكتاب عن مدي رقي وعلم أبيه الاستاذ العظيم أحمد أمين, فقد كان يعامل ابنائه –وكانوا سبعة- بمنتهي الرقي والحضارة فخرج منهم علماء واساتذة جامعات ومثقفين ليملؤا الارض علما.

الشئ المميز في الكتاب هو انه يعرض لك حياة انسان مثقف عاش جل حياته في الفترة من الثلاثنيات وحتي الان وهذة من الفترات المهمة جدا في تاريخ الثقافة المصرية, حيث تجد نفسك تلقائيا تقارن ما كان يفعله هو ايام شبابه من العلم والأدب والقراء وما يمكن ان يفعله احدنا في هذا الايام, فمثلا, ذكر في الكتاب انه ذات يوم وبعد ان بلغ السبعين وجد مدونة كان يدون فيها ما يفعلة عندما كان عمره 17 عاما, المدونة بها 365 صفحة لكل يوم من ايام السنة, حاولت ان احصي كمية الكتب التي قرأها فوجدتها تتجاوز ال 47 كتاب في عام واحد!! وهذا يربوا "بكثير" عما يمكن أن أقرأه انا في ثلاثة أعوام بدون مبالغة, والكتب متنوعة وتعكس مدي الاطلاع ولاهتمام بكل انواع الثقافة والمعرفة, فتجده قرأ من ضمن هذة الكتب كتابان عن المتنبي الشاعر العربي الفصيح, وأبن زيدون الشاعر العربي الأندلسي -الذي أحفظ له بيتا جميلا اتذكره كلما سافرت يقول فيه-

لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن

أيضا قرأ بالأنجليزية لوليام سارويان –ما بين روايات, وقصص قصيرة ومسرحيات-, وجزءا كبير من الاعمال الشعرية للشاعر الهندي طاغور, وقصتي لويزا ألكوت الشهريتين "نساء صغيرات" و "زوجات طيبات" بالأضافة لثلاث رويات لدستوفيسكي, وثلاث رويات لاندريه جييد, ومجموعة من القصص القصير لتشيخوف, وكتابا عن الفيلسوف سبينوزا, وأربعة كتب لتوفيق الحكيم, وجزء من كتاب أصل الأنواع لداروين وترجمة لأبو المنطق ديكارت –صاحب جملة انا أشك, إذا أنا موجود-, وبالاضافة للكثير الذي لم اكتبه هنا, الظريف انه في نهايه كل هذا تجده يقول "...ومع ذلك فأنا واثق من أنه كان من السهل علي ان أقرأ أكثر بكثير من هذا القدر من الكتب لولا إنشغالي المستمر في تلك السنة في متابعة ما تفعلة بنت الجيران".

الكاتب أيضا تحدث عن رحلته للكويت أربع سنوات, وقد عبر عنها بأنها من السنوات العجاف بالنسبة له فقد كانت اقل السنين التي قرأ فيها كتبا او تعلم أشياء جديدة, في الحقيقة أستطيع ان أشعر بما يقول جيدا فقد مكثت في الخليج ما يربو علي الستة أشهر ما بين السعودية ودبي ولم يكن تحصيلي الثقافي والفكري يعادل ما كنت افعله في مصر في نفس الفترة, علي الرغم من توفر كل سبل الثقافة هناك من الوقت الكثير-وهذا أهمهم-, إالي المكتبات الضخمة, إالي عدم وجود مشاكل تفكر فيها, والحياة السلسة السهلة في كل شيئ, إلا انه رغم كل هذا لم أكن أقرأ كثيرا, وحاولت ان افسر الامر وقد توصلت إلي افكار واسباب غيير اني لم استطع ان اعبر عنها كما عبر عنها عمنا جلال أمين حيث يقول انه كما انك لا تستطيع ان تقرأ في جو مليء بضوضاء عاليه جدا, أو شديد البرودة جدا, أو في مكان تتعرض فيه للأزعاج بشكل كبير ومفاجئ, فْإنك أيضا لن تستمع بالقراءة في جو هادئ جدا أو شديد الحراة جدا, وليس فيه تعامل بين الناس فلا تجد من يقاطعك ليسأك عن شيء ما, فرتابة الحياة وعدم وجود اي شيئ مثير فيها, بعبارة اخري خلو الحياة من اي شيء يدفع الدماء في عروقك ويسبب لك بعض الاثارة يضعف ميلك إالي اتخاذ قرار بالجلوس للكتابه, إذ ما هي المشكلة التي التي لن تجد لها حلا في الكتب؟.

بل انه من كثرة الفراغ هناك, فقد راعه مثلا ان يأتي زميله الاقتصادي الكبير ليسألة وقد بدت علي وجه ملامح الجدية الشديدة "الا تعتقد يا جلال ان هذا الاناء يكون من الافضل كثيرا لو تحرك 20 سنتيميرا إالي اليمين"؟؟ نفس ما كنت اشعر به في بعض الاحيان عندما كنت اجلس في غرفتي في الفندق وحيدا في ايام الاجازات في السعودية والأمارات –إذا لم يكن هناك ما يستدعي النزول- فأجلس أتلأمل في سقف الحجرة, أو انظر لوجهي في المرأه عدة مرات بدون أي سبب منطقي أو أتجول في الغرفة الواسعة, أو أمارس بعض الرياضات المنزلية, أو أشاهدة التلفاز, أوأتصفح الانترنت, أو انزل للمول للتسوق في أي اشياء لم أكن لأشتريها بأي حال من الاحوال في مصر.

اكثر الفصول التي عجبتني في الكتاب هما الفصلين الاخيرين الذاين يتحدث فيهما عن المرض والشيخوخة والبدايات والنهايات, وهما من اكثر الفصول انسانية في الكتاب حيث يتحدث عن أخوته وكيف كبروا جميعا ومنهم من مات وهو يشاهدهم الواحد وراء الاخر فهو أصغر الاخوة جميعا, فيتحدث عن كل اخ من اخوته واسباب نجاحة في الحياة وماذا وصل به الحال الان وهل لازل علي قيد الحياة ام لا, كما يبدي ملاحظته علي ارتفاع نسبة الطلاق في الاجيال الحالية لتصل لنصف المتزوجين بعد ان كانت الربع تقريبا علي ايامه, كما يصف شعوره تجاه فكرة الموت نفسها وأنه لم يعد يهاب الموت كالسابق من كثرة ما فقد من الأهل والأصدقاء, فبين كل حين وأخر يأتي إليه خبرة وفاة أحد أشقائه, أو زملائه, أو شخص قريب له, كل هذا بالأضافة إالي تقدمه في السن جعل فكرة الموت هينه ومألوفة وغير مخيفة علي الأطلاق.

ايضا عندما يحكي عن فترة شبابة وحبه لزوجته الانجليزية مسز جان, وكيف تعرف عليها في اسلوب رومانسي رائع, وعندما يصف شعورة وهو في رحلة القطار متجها من لندن حيث يدرس إالي جلاسكو حيث تعيش زوجته مع اهلها ويصف لك مشاعره الصادقة سوف تجد رومانسية رائعة.

الكتاب ممتع جدا, وأنصح الجميع بقراءته واقتنائه, فالكتاب في مجمله أكثر من رائع بأستثناء بعض "الصراحة" الشديدة والتي قد تكون صادمة في كثير من الاحيان, أيضا بعض ارائه في بعض الأسلامين
–وهو منهم- وأرائهم, أو رأيه في الدين عموما قد يجدها البعض غير ملائمة .

بالمناسبة دكتور جلال له كتاب أخر رائع أسمه
"كتب لها تاريخ" يتحدث فيه عن أهم الكتب التي قرأها وعجبته أو لم تغجبة ولكن تحدث الناس عنها لشهرتها, ايضا أشتريت له مؤخرا كتاب "شخصيات لها تاريخ" الذي يتحدث فيه عن أهم الشخصيات التي أثرت في الحياة المصرية في كافة المجلات في القرن العشرين, كتاب رائع جدا, قد أكتب عنه عندما انتهي من قراءته إن شاء الله...
----------------------

يمكنك قراءة الفصل الخامس من الكتاب هنا.

هناك 5 تعليقات:

غير معرف يقول...

Salam alikom
Great Amr I am waiting to take the book from you as you told me.

Regards,
Ali

Beroz يقول...

Great!

Ahmed Elbanna يقول...

ba3dak ya Ali :)

Khaled,Ithan,Italian,the LOner,DoDi يقول...

مش عارف ليه حاسس إني سمعت نفس الكلام ده قبل كدا
:P
أنا حاجز بعد الكحكي أديني قلت من بدري أهو

sousou يقول...

Hi Amr,
It's a nice review , although it's a bit long ,, the biography of Abdel wahab el Messiry is one of the greatest bioghraphies, I couldn't finish it as it's too heavy to carry I would like if it's less heavy so it can be easier to read like Galal Amin's book .I Recommend El Messiry Biography too ,
Nice blog,