السبت، ديسمبر 26، 2009

اللوبي العلماني المتشدد في مصر

أصبح هناك فئة ما في المجتمع المصري من دعاة العلمانية والليبرالية الاجتماعية المتشددة ولهم صوت مسموع في الجرائد والمجلات والتلفاز والسينما، هذه المجموعة لا تفتأ أن تخرج كل حين وأخر بهمز ولمز الاسلام والاسلامين وكل من علي سمتهم ويرمونهم بصفات التخلف والرجعية والظلام وما شابه من ألفاظ ويخوفون الناس مما يمكن ان يحدث لو تمكن هؤلاء الاسلاميون من الحكم في مصر بطريقة ديماجوجية سخيفة تشبه ما فعله جورج بوش من استغلال خوف الامريكين من الارهاب ليشن حربه في افغانستان والعراق، لكم ما لا يعرفه هؤلاء ان الشعب المصري شعب متدين بالفطرة ولن يستجيب لهم أبدا.

هذة الفئة التي نتحدث عنها وتضم فنانين وساسة وصحافيون وكتاب ورؤساء تحرير ووزراء ومدرسين ورؤساء جامعات ورؤساء أحزاب معروفة بتوجهها العلماني، هؤلاء جميعا يكونون ما يشبه اللوبي العلماني في مصر وتجدهم متفقين في نقد كل مظاهر التدين في مصر والتشهير بالعلماء والتقاط هفواتهم، ويخوفون الناس من الاسلامين وتوجاهتهم ويوهومون الناس ان مصر اذا حكمت بالاسلام فهي النهاية ولا مستقبل علي الاطلاق ومصير أسوأ من مصير حماس. وينتقدون كل التيارات الاسلامية علي الاطلاق من أخوان وسلفيون بل وحتي من يطلق عليهم الدعاة الجدد لم يسلموا من هؤلاء.

تللك الفئة ليس لديها هدف في الحياة غير انتقاد الاسلامين وتصويرهم ان كل ما يشغل بالهم ليل نهار هو وجود اللحية وسواد النقاب وطول الجلباب، وهو امر غريب ومردود عليه ويعرفه كل ذي عقل، فالاسلامين لم يثيروا أيا من هذة المشاكل قط، بل الحاصل انهم هم من يثيرون هذة الموضوعات ليجروا إليها الاسلامين في معركة علنية إعلامية غير متكافئة ، فلنسأل أنفسنا من الذي يثير موضوع الحجاب ويلمزه كل حين وأخر في التلفاز وعلي صفحات الجرائد: هل هم الأسلاميون ؟ من الذي ربط بين الجلباب واللحية وبين الارهاب في مصر: هل هم الأسلاميون؟ من الذي ربط بين النقاب والتشدد الديني في مصر: هل هم الأسلاميون؟ بالله عليكم هل فعل الاسلاميون كل هذا بأنفسهم لأنفسهم؟؟ ثم بعد ذلك يتهمون الاسلامين بالتخلف والتشدد أوأنهم يأخذون "القشور" من الدين (فالدين عندهم لب وقشر!)، هذه هي خطتهم اللعينة، يتحدثون عن النقاب مثلا ويمنعونه في المدارس والجامعات وهم يلعمون ان هذا يثير الاسلاميون وبالفعل يثتاثرون ويهبون للدفاع عن حقهم في لبس ما يريدون، عندها يظهر "هؤلاء" بمظهر الناصح الحكيم الذي يقول: أنظر هذا هو حال الاسلاميون، فقط كل ما يهمهم ويشغل بالهم في الحياة هو النقاب واللحية والجلباب، فهل يصلح هؤلاء لقيادة بلد؟ ويجعلون الموضوع يظهر وكأن الأسلاميون يريدون نساء مصر كلهم منقبات والحقيقة انهم هم من يريدون نساء مصر سافرات!!!

ويظل هؤلاؤ يتصيدون هفوات العلماء ويضخمونها ويسرون علي نفس المنهج، أن هذا هو تفكير الاسلاميون وظلامه الذي يريدون اغراق مصر فيه، أنظر ماذا فعلوا عندما أخطأ احد علماء الازهر في موضوع ارضاع الكبير، أو موضوع بول الابل، بل حتي المواضيع التي لم يخطأ فيها أحد لكنها لا تأتي علي هواهم مثل موضوع السلام علي المرأة باليد الذي أثاره الشيخ عطية صقر رحمه الله ودافع الرجل عن رأيه ولكنهم ظلوا ورائه حتي خرج من الازهر، لقد أقاموا الدنيا وقتها ويكررون نفس الكلام الذي ليس له معني والغريب انهم يتحدثون وكأن الحق معهم، وهو ابعد ما يكون عنهم { وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ }.

وهم لا ينتقدون الامر من منظور ديني، فلو صدقوا في نقدهم لقرعوا الحجة بالحجة، فكل هذه الاراء (علي شذوذ بعضها) لها نصيب من الادلة والاراء، فلو كانوا صادقين في نقدهم لجاءوا بالحجج والادلة الموثوقة ولكنهم ينتقدون الامر من باب ان هذا ظلام وتخلف ورجعية ولا يصح ان يحدث هذا في القرن الحادي والعشرين ومثل هذا الكلام، طيب ان أسألهم أين انتم يا دعاة التنوير والحداثه مما يحدث من تجلي للعذراء في كنائس مصر الواحدة تلو الاخري وكأنها عدوي حتي أنه هناك من الأقباط أنفسهم من يستنكر الامر، أين ذهبت أبواقكم وسيوفكم المسمومة والسنتكم السليطة، أين ذهب التنوير والحداثة الذي تنادون بهم، هل سمع أحدكم بأحد منهم ينتقد ما يحدث، هل خرج وزير ما في مجلس الشعب ليقول أن هذا ظلام، هل كتب أحد من الكتاب أو خرج أحد من الفنانين في اتصال هاتفي ليعلن أستنكاره للأمر، أين كل من تحدث عن النقاب والحجاب والجلباب، لماذا لا يستنكرون ما يحدث في الكنائس كما فعلوا مع الاسلامين، والله لا أري غير أن هذا هو الصمت الذي يؤكد عدم مصداقيتهم فيما يدعون!!

وإمعانا في كيد الأسلامين تجدهم يهبون جوائز الدولة لجهلة الادباء وشرارهم وأكثرهم حربا للأسلام، أنظر كيف أعطوا جائزة الدولة لسيد القمني الرجل الذي سخر حياته كلها للتشكيك في الاسلام ومحاربته، ولقد تحققت بنفسي من الامر كنت اظن أن ما يقوله الناس عن الرجل وتعرضه للرسول ببذيء الكلام مبالغة مضاده للأسلامين، لكني أحضرت أحد كتب الرجل نفسه وقرأت فوجدت الامر كله صحيح، فلماذا هذا الاستفزاز والتعرض لمشاعر الناس الدينية!

ولكي أكون منصفا، فليس كل العلمانين والليبرالين بهذا التشدد والغلو، فهناك منهم أشخاص محترمين بحق، يعتزون بعلمانيتهم ولا ينكرونها لكنهم أيضا يحترمون الاختلاف ويقدرون الاخر وهويته سواء كان أسلاميا أو غيره، فهؤلاء أحترمهم وهم غير معنين بما كتبته هنا، أنما حديثي كله عن المتشددين والغلاة منهم.

ولا يفهم من هذا أني أخواني -ولست منهم بالمناسبة- أو ممن يرفعون شعارات عاطفية أكثر منها عملية مثل "إسلامية إسلامية" وما شابه، فأنا ممن يتحمسون للتغير الدراماتيكي للأحداث الكبيرة، فحتي لو أردنا لمصر أن تكون دولة إسلامية فليكن هذا نابعا من رغبة الناس وتدينهم وفهمهم لمقتضيات هذة الدولة وليس برغبة جماعة معينة، بل وحتي لو أرادت هذه الجماعة التغير فليكن التغير في إتجاه الناس وليس في إتجاه أنظمة الحكم، فليكن التغير من الأسفل للأعلي وليس من الاعلي للاسفل حتي يستمر الامر ويدوم.

أعود للوبي العلماني وأقول كفوا أذاكم عنا، فالأمر أصبح لا يطاق ويثير من الرثاء لحالكم أكثر مما يثير من الضيق منكم، وليعلم هؤلاء جميعا أن ما يريدون لن يتم، وهم بما يفعلون إنما يدفعون الناس دفعا نحو التمسك أكثر بالدين, وهذا من الدفع الذي أخبر به الله والذي سيكون سببا في إقامة هذا الدين رغما عنهم {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

الأحد، نوفمبر 15، 2009

ملاحظات علي هامش مبارة مصر والجزائر


الحمد لله الذي نصرنا وأفرحنا، علي ما في هذا الأمر من مساؤى كثيرة وغلو الكثيرين في التعبير عن فرحهم -أو سخطهم- فيه, لكن هناك بالتأكيد بعض الجوانب الإيجابية، منها أن الناس من الممكن جدا أن تتحد علي أمر ما يسعيون بكافة أطيافهم وأنتمائتهم أن يحققوه وسيحققوه بإذن الله لو وجدت الهمم وأستُحضرت النوايا وخلُصت لله عز وجل، فكر معي لو كان هذا الهدف هو أن تكون الشوارع نظيفة، أو أن يتقن الناس أعمالهم، فقط علي القيادة أن تُحسن اختيار الأهداف وحشد الناس لها. الأمر الثاني هو كثرة ما سمعت من كلمة "الله" و"يا رب"، فهذا بلاشك أمر يدعو للسرور أن الناس تتذكر أن الأمر كله بيد الله وتدعوه وتستجلب نصره في أمر كهذا. الأمر الثالث هو نزعة التدين الواضحة في الاعبين وسجودهم المتكرر في المباريات وشعور الناس نحوهم بالفخر والأمتنان الكبير ونظرة الأطفال نحوهم كقدوة، الحمد لله أنه ليس منهم من يٌسقط بنطاله أو من يُحمر أو يٌزرق أو من يٌضفر شعره، اللهم أنفع بهم وانصرهم وفرحنا بنصرهم، فالفرح والسرور نعمة الله يلقيها في قلوب من يشاء من عباده.

الاثنين، مارس 16، 2009

مشاهد إجتماعية - العزاء

ذهبت للعزاء في أحد أقاربنا من الدرجة الرابعة, لم أستطع اللحاق بالجنازة فذهبت علي مضض للعزاء ليلا, في البداية وجدت طابورا متراصا مثل الألف كما نقول فيه مالا يقل عن عشرين شخصا, يجب ان تصافحهم جميعا وبالترتيب وفي نهاية الصف استلمني شخص يشعر برضا كبير عن نفسه وأجلسني امام السماعة التي تخرج صوتا هادرا يمكنك سماعة من شقة نائية في الساحل الشمالي محكمة الاغلاق لدواعي البرد والمطر.

جلست وحيدا أستمع للمقرىء الشاب الذي استغربت كثيرا ارتدائه لملابس علماء الدين في الازهر, كنت اظن ان هذه الملابس انقرضت أو كادت, وبعد قرأء الربع –ربع حزب- ذهبت للجلوس بجانب بعض المعارف, وهناك دار هذا المشهد الاجتماعي الخالد.

كل فترة يمر الشخص الذي يشعر برضا عن نفسه ويسلم ملوحا بيده للجالسين, الشخص الذي يجلس بجانبي وأنا اعرفه يخرج سيجارة كل فترة وأخري ليسلي نفسه, اما الاخر الذي بدا لي انه في غيبوبة عميقة فكان يضم يده كمن يشعر بالملل, حضر بعض الشباب من النوعية التي تمقت ارتداء القمصان كالجحيم وتفضل التيشرتات الصفراء الي يكتب عليها كلمات انجليزية فجة وجلسوا امامنا, وبعد قليل اخرج احدهم تليفونه المحمول وبدأ ينظر فيه, يمر الشاب الذي يحمل في يده اكواب الشاي والقهوة ويسألني "عايز تشرب حاجة", فأرد "متشكر", القارئ الشاب يستريح بعد ربع أخر ثم يبدأ في تلاوة ما تيسر من سورة الانعام, الشاب الذي يعبث في تليفونه أخرج تلفونا اخر ووضع الاثنين بجانب بعض وبدأ يتأمل, يحاول احد الشباب الجالسين بجانبه ان يأخذ واحد منهم فيرفض بشدة ويعتبرها قضية مصير ويستمر في اللعب, ينتهي الشيخ ليجلس بجانبي, وتكف السماعات الثائرة عن الهدير, الشيخ يحتسي أحد أكواب الشاي من الشاب الذي مر للمرة الرابعة, الشخص الذي بجانبي والذي تزوج للمرة الثانية منذ أسبوعين يتململ يمينا ويسارا ثم ينظر كمن تذكر شيئا ويسألني "انت متجوزتش ليه لغايه دلوقتي", الشخص الاخر الذي يضم يده فردهما وبدأ يتأمل في الشباب الجالس امامنا وهم يتهامسون و ينظرون في التليفونات المحمولة مع الشخص الذي الذي يحمل اثنين منهم, يرن تلفون الشيخ فيخرجه من جيبه وينظر إليه في لامبالاة ويرجعه في جيبه مرة أخرى, يمر الشخص الذي يشعر برضا عن نفسه ويشكر الشيخ الذي يبدي عدم رضاه عن عمل السماعات ويقول "كان لازم تعملوا صوان مش ميتم", حاول خيالي الجامح ايجاد فروق بين "ميتم" و"صوان" ونسج تفسيرا هزليا رفض عقلي ارتدائه بسهولة, يخبره الشاب الراضي عن نفسه بثقه "ان الصوان حرام", ثم اشعل سيجارة جديده, يفيق الشخص الذي بجانبي من غيبوبته العميقة ويقول للشخص الراضي عن نفسه "شغل تسجيل بقي عشان محدش يمشي", ينتفض الشاب المقرئ وينظر شزرا لذي الغيبوبة قائلا "وانا يعني ماليش لازمة هنا", فيرد عليه مضطربا "انا فاكرك خلصت", يرد عليه الشيخ "لأ مخلصتش, انا بس سايبهم عشان اللي عايز يشرب سيجارة او حاجة يبقي يشرب", ثم يلتفت حوله قائلا "أمال فين بتاع المشاريب", يأتي الفتي ومعه كوب من الينسون للمقرئ الشاب, يكمل صاحب الزوجتين ماكان يقوله لي "أنا اعرف ناس كويسين قوي..", ينتهي الشيخ من الينسون الساخن ويتذكر ماقاله الشخص الراضي عن نفسه منذ قليل ويسأله "الصوان حرام ليه؟", فيرد عليه قائلا "هما قالولنا كده", يأتي احد الاشخاص من العالمين ببواطن الامور ويتحدث عن الفقيد ويثني عليه والناس تستمع في أسي, يبدأ الشيخ الربع الجديد وتعود السامعات الهادرة للعمل, فيضم الشخص صاحب الغيبوبة يده للوضع السابق, ويتوقف صاحب الزوجتين عن الحديث بعد ان وصل لمرحلة متقدمة في الكلام, الشباب اصحاب التيشرتات الصفراء يتعتدلون بدورهم في المجلس والشخص صاحب التلفونين المحمولين يدخل احدهما في جيبه ويبقي الاخر في يده استعدادا للربع الجديد, يمر الشاب الذي يحمل الاكواب للمرة السادسة بأكواب مياه هذة المرة, ينتهي الشيخ من الربع فينظر لي الشخص الذي فاق لتوه من الغيبوبة قائلا "يلا نقوم", اذهب معه لنبدأ رحلة المصافحة علي نفس الناس لكن بطريقة معكوسه, فنبدأ بالشخص الذي يشعر برضا عن نفسه لحد كبير ونستمر في المصافحة حتي أول الصف وقد زاد عن العشرين ببضع انفار.

صافحت الشخصين الذين كانوا يجلسون بجانبي مودعا, وقابلت أمي التي كانت تنتظرني في الخارج وانطلقت معها للبيت.

السبت، يناير 31، 2009

عن المقاطعة نتحدث


كما جرت العادة, ومع كل عمل إسرائيلي أو أمريكي أو غربي يثار ضد المسلمين عموما والعرب خصوصا, تنتشر دعاوي المقاطعة في كل مكان, ويكثر الحديث عن أهمية المقاطعة ووجوبها وماهي السلع التي يجب مقاطعتها وما إلي ذلك من أشياء.

وعند المقاطعة ينقسم الناس إالي قسمين: قسم يؤيد (من منطلق شرعي وعقلي), وأخر يعارض (من منطلق شرعي وعقلي أيضا) !

أنا هنا أود ان أناقش هذا الموضوع من هذين المنطلقين, بعيدا عن شعارات عاطفية واهية من طراز "كل زجاجة كوكاكولا هي رصاصة في صدر أخيك"و "الأكل في ماكدونلدز كأكل لحم الخنزير", أو حتي الاقوال الاكثر عقلانية من نوعية "المقاطعة سوف تدفع الشركات الاجنبية للضغط علي دولها لوقف العدوان", وما إلي ذلك من كلام منطقي وظريف.

وقد يسأل سائل "هل هذا وقتها؟", فأقول نعم, لسببين, الأول أن الامر أصبح فيه خلط كبير وفوضي غير مقبولة, والأولي بنا كأشخاص مفكرين وعاقلين أن ندقق في كل ما نفعلة حتي يتسنى لنا أن نقف علي حقيقة الامر ونستفيد بفوائده, ونتجنب أضراره, السبب الثاني, أني لم أعثر بشكل كامل ويرضيني علي من يتحدث عن هذا الموضوع من كافة جوانبه, عارضا المزايا والعيوب, فكما قلت هناك مؤيد فيعرض مزايا المقاطعة فقط, أو معارض فيعرض عيوبها فقط, أنا هنا أحاول أن أوازن بين الأمرين معا, , وسوف أعرض أدلة الفريقين ورد كل منهم علي الأخر, واضعا تصوري الشخصي للموضوع في المحور الثاني من الحديث (الجانب العقلي).

المحور الأول: المقاطعة من الناحية الشرعية.

في الحقيقة سوف تجد كلاما كثيرا في هذة الناحية, فهناك من العلماء من يؤكد عليها ويصل بها إلي درجة الوجوب ويصف من لا يقوم بها بالمتخاذلين, وهناك من العلماء من لا يعترف بها ولا يؤمن بتأثيرها ويصف من يقول بها بالمتنطعين.

أما الأدلة التي يسوقها من يؤمن بالمقاطعة فترتكز علي أربع أمور:

1. أن الضرر الذى سيلحق بهذه الشركات من جراء مقاطعة المسلمين لها سوف يدفعهم لتغيير مواقفهم العدائية ضد المسلمين .
2. أن شراء السلع التي تدخل في نطاق المقاطعة حرام لانها تعين الكافرين علي ما يفعلون.
3. أن عدم المقاطعة ليس حراما, ولكنها واجبه, فنقاطع سلع المعتدين بدافع الولاء والبراء.
4. أن المقاطعة عموما هي أقل ما نفعلة لنصرة أخواننا.

أما الأمر الأول:

وهو أنه يغلب على الظن أنه متى امتنع الناس من الشراء ومقاطعة تلك السلع فسوف يراجع الغرب مواقفهم تجاه المسلمين

فيُرد عليهم ويقال إنه ليس هناك غلبة ظن بذلك و أن هذه المليارات التى ترصد لمحاربة المسلمين لا تتأثر بهذا الامتناع الباهت من جانب المسلمين. فينبغى أن نبحث هل هناك غلبة ظن أم لا لئلا نحرم على المسلمين شيئا أحله الله عز و جل دون أن تحصل الفائدة المرجوة من ذلك.فلو غلب على ظننا انه يحدث مصلحة و لم يحدث مع التطبيق العملى فنعود إلى الأصل وهو أباحة الشراء ,لأن الواقع يشهد أن الحرب على المسلمين يرصد لها أموال طائلة لا تهزها هذه الأحداث اليسيرة. ولقد سمعنا بيانات كثيرة عن تأثر الشركات بهذه المقاطعة طوال السنين الطويلة لهذه الدعوة لكن الواقع أن الأمور تزداد سوءا على المسلمين فإما إن هذه البيانات غير دقيقة أو ان هذه الشركات لم تتراجع أو أن الذين يقودون الحرب يعدون لها أموالا بعيدة تماما وليس لها علاقة بهذة الشركات.

و قد يحتج البعض بأن الكفار قوم يحبون المال فإذا نقص من خزاناتهم المال امتنعوا عن معاداة المسلمين لكن هذا خلاف الواقع لأنهم ينفقون الأموال الطائلة فى الحصول على الرئاسة و فى حربهم للمسلمين و فى شرائهم ذمم الخونة من الكتاب و كذلك فى محاولة نشر ثقافتهم فى العالم , فقضيتهم أعمق من ذلك لأنها قضية بقاء أمة و التصور أن هذه الحروب قائمة على دعم من شركات محدودة هذا بعيد.

أما الأمر الثاني

وهو أن شراء السلع التي تدخل في نطاق المقاطعة حرام لانها تعين الكافرين علي ما يفعلون

فيُرد عليهم ويقال أن التحليل والتحريم إنما يكون من قبل الشارع، ولا يجوز أن نُلزم الناس بأمر لم يُلزمهم الله به ، فلا يسوغ إطلاق عبارات نُحرم فيها بيع بضائع هؤلاء أو نوجب شرعا مقاطعة منتجاتهم ، ومعلوم أن البيع والشراء مع الكفار جائز شرعا حتى في عهد الحرب معهم وقد قال الله تعالى"ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على الله الكذب". والشريعة الأسلامية عندما تتحدث عن البيوع فيجوز أن يباع ويشترى من الكافر كما جاء فى الأثر الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي فى ثلاثين صاعا من الشعير, واليهود محاربون ومن أشد الناس مكرا فهذا إن دل يدل على الجواز ومعروف طبعا ما لليهود من العداء الكبير للمسلمين ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يشتري منهم ويبتاع.

والحاصل أن كثير ا من الناس يقتنع بهذا التحريم ومع الوقت يشعر بحرمة الشراء نفسه ولكنه لا يستطيع أن يلتزم فى جوانب المقاطعة فيقول له الداعية :التزم فيما تستطيع .وهذا خطير لأنه بعد اعتقاده حرمة شراء تلك السلع, فإذا أشتراها فعليه إثمها لجرأته على ما اعتقد أنه حرام, فمثله كمثل من قال الله فيهم " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء مرضات الله فما رعوها حق رعايتها " فلم يكتب الله عليهم الرهبانية, فلما فرضوها علي أنفسهم عاب عليهم أنهم بعد ما اعتقدوا أنها من الدين تركوها ,و لذلك ذهب العلماء أن من تعاطى شيئا مباحا و هو يظن أنه محرم فعليه إثم المعصية لجرأته على ما اعتقد أنه حرام فلو وجد كوب من الماء مثلا فشربه ظانا أنه خمر فعليه إثم و إن اختلفوا هل هو كإثم شارب الخمر أم لا فذهب بعضهم إلى أن الإثم يساوى إثم المعصية و الأخرون إلى أن الإثم أقل لكن فى كل حال يكتسب الشارب إثما عظيما, وعلي هذا, فإذا اقتنعت بالمقاطعة فالزم نفسك بما تقتنع وتؤمن به ولا تتنطع.

و موطن الخطورة أيضا أن الناس إذا اقتنعوا بالحرمة و لم يستطيعوا الالتزام بمقاطعة بضائع الكفار ظهرت معاص جديدة لا حصر لها تضاف إلى معاصى المسلمين و هذا يضر المسلمين ولا ينفعهم لأنهم يواجهون عدوهم بأعمالهم فكأننا نضيف ذنوبا و معاصي عديدة نستجلب بها الهزيمة.

والقائلين بالتحريم فى الحقيقة هم الذين يشددون على الناس بتحريم ما أحله الله و إيقاعهم فى العنت و هم يعلمون أن الناس لن يستطيعوا الالتزام بما فرضوه عليهم و هذا واقع فنرى مقلدهم و قد اعتقد أن المشروب الفلاني محرم ذهب للبائع يطلب المشروب البديل و إذا لم يجده يطلب المشروب المحرم و يستغفر الله!!!

أما الأمر الثالث:

القائلين بوجوب المقاطعة من باب الولاء والبراء والقول بأنه بشرائك تلك السلع فإنك بذلك تساعد الكفار والمعتدين في أستمرار عدوانهم علي المسلمين.
فيُرد عليهم ويقال ان هناك صور من التعاملات التي أباحها الشارع ولا تدخل في باب المولاة ومنها

1. البيع و الشراء معهم و الدليل حديث ثمامة بن أثال رضى الله عنه وكان سيد قومه باليمامة وكانت الزروع تأتى قريش منها, فلما منعها بعد أن أسلم أمره رسول الله بأن يبيعهم كسابق عهده.

2. يجوز أن يشترى من الكافر كما جاء فى الأثر الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي فى ثلاثين صاعا من شعير.

3. استئجار الكافر : فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم استأجر كافرا يدله على الطريق لما هاجر.

4. يجوز أن يكون المسلم أجيرا عند الكافر و فيه حديث عمل خباب أجيرا عند العاص بن وائل و عمل علي رضى الله عنه عند اليهودي.

5. الإهداء للمشرك: كما أهدى عمر رضى الله عنه لأخيه المشرك.

6. قبول الهدية من المشرك كما فى إهداء ملك أيلة للنبي صلى الله عليه و سلم. واشترط ألا تكون الهدية بابا للمداهنة وإلا ترد و يقال للمشرك:"نهينا عن زبد المشركين" كما ثبت عنه صلى الله عليه و سلم.

لكن مع هذا فمعاملة المسلم أولي من معاملة غير المسلم, وهذا أمر عام ليس مقيدا بالمقاطعة أو بغيره.

والظاهر ان المقاطعة لا تدخل ضمن مسألة الولاء والبراء, ولكن تدخل في مسألة المفاسد والمصالح.


أما الأمر الرابع:

وهو أن المقاطعة هي أقل ما نفعله لنصرة أخواننا

وهذا في حقيقة الأمر صحيح لحد كبير, ولكن هل عمل المسلمون بالواجب من معاملة الكفار من البراء منهم و الامتناع عن شراء المحرم منهم ثم لم يحدث التأثير فاحتجنا إلى أن نمنعهم من بعض الصور المباحة؟ و عند النظر فى هذا الأمر نجد أن المسلمين لديهم خلل كبير فى هذة المسألة فالأولى توجيه الناس إلى عداوة الكافرين لأن إقامة الواجب أنفع و أقوى تأثيرا وجلبا للنصر دون الحاجة لتحريم ما أحله الله تعالى, فيجب أن نسأل الناس علي فعل الواجب الذي شرعه الله كما نطالبهم بعمل غيره من الأمور التي ألزمنا بها أنفسنا.

المحور الثاني: المقاطعة من الناحية المنطقية والعقلية.

لا ينكر منصف أن المقاطعة لها تأثير إذا أًحسن أستخدامها وفق ضوابط محددة, ولكن ما يحدث الان هو عين التهريج وعدم المسؤوليه, فتجد مثلا أحدهم يرسل إلي رسالة فيها ملا يقل عن 50 منتجا ويطالبك بالمقاطعة, وبعضها يصنع في مصر بالكامل.

أيضا وصلتني رسالة تدعوا إلي مقاطعة كنتاكي وتسوق سببا ظريفا وهو ان لحوم كنتاكي ليست حلال!! فلما دخلت علي موقع الشركة وجدت غير ما يقولون, أيضا انتشرت رسالة تقول ان كنتاكي وماكدونلدز وستاربكس سوف يخصصون ارابح أسبوع كامل لأسرائيل, والكلام –كما قال مرسله- منقول من موقع بي بي سي, وعندما دخلت علي الموقع المذكور وبحثت كثيرا لم أجد شيئاَ, وقد تجد أحدهم يريد إقناعك برأيه بدون بينة أو أدلة حقيقية كما يفعل البعض حينما يقول إن الكولا التى تنتجها شركة أجنبية محرمة و يسرد أضرارها وكيف انها تصنع كذا بالاسنان وكذا بالمعدة ثم يأتى بعد ذلك يدل الناس على بديل و هى الكولا التى صنعتها شركة عربية, هكذا إذا الكولا العربية ليست مضرة مثل الكولا الاجنبية, كما انها وللحظ السعيد "حلال"!!!!!

كل هذا كوم, وما يقال في موضوع ستاربكس كوم أخر, سوف تسمع كلام مكرر ومعروف أن صاحب المقهي يهودي ويدعم إسرائيل بكذا مليار كل عام, وعندما دخلت علي الموقع أجد ان الشركه شركة مساهمة, أي انه ليست مملوكة لشخص بعينه, كما-وهذة هي المفاجأة- الشركة لها فروع في أغلب دول الشرق الأوسط ماعدا إسرائيل نفسها!!, والأعجب من هذا أن الشركة أعلنت بكل وضوح أنها لم, ولن تدعم إسرائيل بشئ قط في تاريخها كله والكلام موثق بحساب البيان الختامي للشركة الذي يجبرها القانون علي إعلانه, أين هي إذا دعاوي الغوغاء من أنها تدعم إسرائيل؟,لمن يريد التأكد يقرأ البيان هنا من علي موقع الشركة.

منتهي التهريج والفوضي, نحن أصحاب قضية حق, فلا يجوز أن ننصر قضيتنا بالباطل.

والذي أراه يحدث ان بعض المنتفعين قد يضع اسماء بعض الشركات لأجل المصلحة الشخصية لشركته هو, كما نسمع مع بداية كل صيف عن موضوع مشروب "فيروز", وتسمع كلاما غريبا عن انها تحتوي علي كحول وأن فلانا أخذ عينه وحللها فوجد بها نسبة كحل مسكرة!, ثم يتضح في نهاية الامر انها دعاية مضادة من باقي شركات المياه الغازية لمنع انتشارها!

الأمر فوضوي حتي الان كما أري, وعلي أقل تقدير يخضع للعاطفة فحسب, وأنا حتي الان لم أعثر علي بحث علمي موثق يذكر ان سلعا بعينها يجب مقاطعتها لان أضرارها كذا وكذا, لا بل الحاصل هو ان شخصا ما أستيقظ من نومه مبكرا قبل الاخرين وكتب رسالة -بدافع حسن وبحسن نية- مكتوب بها بعض المنتجات الاجنبية –فقط لان أسمها أجنبي في بعض الاحيان, مثل أمريكانا- ويضعها في الرسالة ويرسلها سائلك ان تقاطع وجزاك الله خيرا!!

نحن نحتاج إلي دراسة علمية يقوم عليها أهل الاختصاص, تذكر سلعا بعينها وتسرد لماذا يجب ان نقاطعاها مقدمين معيار المصلحة والمنفعة وليس معيار العاطفة, فقد نجد أن هناك سلعة مهمة من دول معادية يجب أن نشتريها, وبل وأنا أقول اننا سوف نجد سلعا من دول صديقة يجب مقاطعتها لانها تضر بنا ولها بديل محلي!

وعلي هذا, فقد وضعت لنفسي بعض الضوابط في موضوع المقاطعة حتي تكون المقاطعة مجدية ونافعة:

1. أن يتم التركيز في المقاطعة علي سلعة (أو شركة, أو دولة) واحدة أو عدد محدد بدقة من السلع
, نعم, يجب ان يكون الموضوع محصورا حتي نجد أثره, فالمقاطعة ليست مطلوبة في ذاتها, إنما هي أداه نستخدمها وقت الحاجة بهدف تغير سياسات بعض الشركات المحددة, فإذا تغيرت السياسات فقد نجحنا فيما نفعلة وتنتهي المقاطعة, وسوف تكون تلك الشركات عبرة لغيرها, أما أن يرسل أحدهم قائما فيها 50 شركة وسلعة تجب مقاطعتها أو أن يقول "لنقاطع الغرب أو أمريكا علي الأطلاق", فبذلك سنضيع ثمرة المقاطعة في زخم هذا العدد الهائل وبهذا فسنسأل الناس مالا يستطيعون, وهذا في رأيي تهريج وخلط للأمور, ولقد بحثت بنفسي عن نماذج المقاطعة الناجحة فوجدت ان أحد أقوي اسباب النجاح هو حصر السلع التي تجب مقاطعتها في سلعة واحدة (أو شركة, أو دولة) أو عدد محدد بدقة من السلع, مقاطعة الملح في الهند, ومقاطعة منتجات الالبان الدنماركية, ولو تذكرون مقاطعة سينسيبري في مصر منذ عدة سنوات, كلها نجحت لهذا السبب.

2. أن يتم التفريق بين الشركات التي تفتح فروعا في الدول, وبين الشركات التي تبيع أمتياز العلامة التجارية (فرنشايز), فالاولي سوف تؤثر في ارابح الشركة الام بصورة أكيدة, أما الثانية فالتأثير الأكبر سيكون علي صاحب حق الامتياز وبنسبة ضئيلة علي الشركة صاحبة العلامة التجارية, فصاحب حق الأمتياز قد دفع ثمن العلامة التجارية علي الرأي القائل بأن التعامل مع الكفار حلال كما قلنا, فلما جاءت ساعة المقاطعة لا يجوز لنا ان نعاقبة علي أمر مباح قد فعله وقت السلم, أما نظرة البعض إلى أن أصحاب هذه المصانع يستحقون ما سيقع فهذه نظرة غير شرعية لأن المسلم له حق و ماله له حرمة.

3.أن يقوم أهل الأختصاص-وحدهم دون غيرهم- بتحديد تلك الشركات ويتم التأكد بصورة قطعية –وليست ظنية- أن هذة الشركة أو تلك لها يد فيما تفعله وبقصد وعن نوايا سيئة, كي لا نقع في شيء من الظلم لأحد من المسلمين أو غيرهم ، فقد تدخل المنافسات بين الشركات ويبدأ تصفية الحسابات فنُصيب قوما بجهالة. ولأن نفع المقاطعة مظنون وتضرر الشركة مقطوع به، والمقطوع يقدم على المظنون, ويجب أن نأخذ فى الاعتبار أيضا العمال المسلمين المتضررين.

4. أن يقود الموضوع أهل ثقة عدول ولهم خبرة في التفاوض, وأن يتم التفاوض في أثناء المقاطعة فكما قلت فالمقاطعة ليست مطلوبة في ذاتها, فيجب ان نفاوض تلك الشركات ونصل معهم لحلول حتي يتراجعوا عما يفعلون, أما ان تقاطع فقط من أجل المقاطعة فهذا غير مطلوب, فقط قاطع ثم فاوض.

5. أن يكون الجزاء من جنس العمل –علي قدر الامكان- فمثلا لو ثبت موضوع ان شركة ما تدعم إسرائيل بأرباح أسبوع كامل, فيجب مقاطعتهم خلال أسبوع كامل أيضا, وهذا من باب العدل, كما يعكس مدي وعي المستهلكين بقضيتهم ومتابعتهم لما يحدث.

هذه هي الضوابط التي ألزمت نفسي ولا ألزم أحدا غيري بها, ولا يفهم أحدا أني ضد المقاطعة,
أنا فقط احاول ان أفهم الامر وأضع الضوابط المحددة قبل الخوض فيه, وقد كنت مع مقاطعة البضائع الدنماركية لانه خضعت لتلك الضوابط بشكل كبير, ولكن الأمر الان فيه خلط كبير وسمت المسلم ساعة الخلط أنه يدقق في كل ما يطلب منه وخصوصا إذا كان الطلب يأخذ صبغة دينية, ولايجب أن يحقر بعضنا من عمل بعض, فنجد غير المقاطع يصف من يقاطعون بالمتنطعين, ومن يقاطع يصف غير المقاطعين بالمتخاذلين, فالامر فيه سعة وكل منا له عمل يعمله لنصرة أخواننا, ولا نضيع وقتنا في أنتقاد بعض, فالأمر أعجل من هذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.


_______________

مصدر رئيسي:
http://www.forsanelhaq.com/showthread.php?t=98496