الاثنين، مارس 16، 2009

مشاهد إجتماعية - العزاء

ذهبت للعزاء في أحد أقاربنا من الدرجة الرابعة, لم أستطع اللحاق بالجنازة فذهبت علي مضض للعزاء ليلا, في البداية وجدت طابورا متراصا مثل الألف كما نقول فيه مالا يقل عن عشرين شخصا, يجب ان تصافحهم جميعا وبالترتيب وفي نهاية الصف استلمني شخص يشعر برضا كبير عن نفسه وأجلسني امام السماعة التي تخرج صوتا هادرا يمكنك سماعة من شقة نائية في الساحل الشمالي محكمة الاغلاق لدواعي البرد والمطر.

جلست وحيدا أستمع للمقرىء الشاب الذي استغربت كثيرا ارتدائه لملابس علماء الدين في الازهر, كنت اظن ان هذه الملابس انقرضت أو كادت, وبعد قرأء الربع –ربع حزب- ذهبت للجلوس بجانب بعض المعارف, وهناك دار هذا المشهد الاجتماعي الخالد.

كل فترة يمر الشخص الذي يشعر برضا عن نفسه ويسلم ملوحا بيده للجالسين, الشخص الذي يجلس بجانبي وأنا اعرفه يخرج سيجارة كل فترة وأخري ليسلي نفسه, اما الاخر الذي بدا لي انه في غيبوبة عميقة فكان يضم يده كمن يشعر بالملل, حضر بعض الشباب من النوعية التي تمقت ارتداء القمصان كالجحيم وتفضل التيشرتات الصفراء الي يكتب عليها كلمات انجليزية فجة وجلسوا امامنا, وبعد قليل اخرج احدهم تليفونه المحمول وبدأ ينظر فيه, يمر الشاب الذي يحمل في يده اكواب الشاي والقهوة ويسألني "عايز تشرب حاجة", فأرد "متشكر", القارئ الشاب يستريح بعد ربع أخر ثم يبدأ في تلاوة ما تيسر من سورة الانعام, الشاب الذي يعبث في تليفونه أخرج تلفونا اخر ووضع الاثنين بجانب بعض وبدأ يتأمل, يحاول احد الشباب الجالسين بجانبه ان يأخذ واحد منهم فيرفض بشدة ويعتبرها قضية مصير ويستمر في اللعب, ينتهي الشيخ ليجلس بجانبي, وتكف السماعات الثائرة عن الهدير, الشيخ يحتسي أحد أكواب الشاي من الشاب الذي مر للمرة الرابعة, الشخص الذي بجانبي والذي تزوج للمرة الثانية منذ أسبوعين يتململ يمينا ويسارا ثم ينظر كمن تذكر شيئا ويسألني "انت متجوزتش ليه لغايه دلوقتي", الشخص الاخر الذي يضم يده فردهما وبدأ يتأمل في الشباب الجالس امامنا وهم يتهامسون و ينظرون في التليفونات المحمولة مع الشخص الذي الذي يحمل اثنين منهم, يرن تلفون الشيخ فيخرجه من جيبه وينظر إليه في لامبالاة ويرجعه في جيبه مرة أخرى, يمر الشخص الذي يشعر برضا عن نفسه ويشكر الشيخ الذي يبدي عدم رضاه عن عمل السماعات ويقول "كان لازم تعملوا صوان مش ميتم", حاول خيالي الجامح ايجاد فروق بين "ميتم" و"صوان" ونسج تفسيرا هزليا رفض عقلي ارتدائه بسهولة, يخبره الشاب الراضي عن نفسه بثقه "ان الصوان حرام", ثم اشعل سيجارة جديده, يفيق الشخص الذي بجانبي من غيبوبته العميقة ويقول للشخص الراضي عن نفسه "شغل تسجيل بقي عشان محدش يمشي", ينتفض الشاب المقرئ وينظر شزرا لذي الغيبوبة قائلا "وانا يعني ماليش لازمة هنا", فيرد عليه مضطربا "انا فاكرك خلصت", يرد عليه الشيخ "لأ مخلصتش, انا بس سايبهم عشان اللي عايز يشرب سيجارة او حاجة يبقي يشرب", ثم يلتفت حوله قائلا "أمال فين بتاع المشاريب", يأتي الفتي ومعه كوب من الينسون للمقرئ الشاب, يكمل صاحب الزوجتين ماكان يقوله لي "أنا اعرف ناس كويسين قوي..", ينتهي الشيخ من الينسون الساخن ويتذكر ماقاله الشخص الراضي عن نفسه منذ قليل ويسأله "الصوان حرام ليه؟", فيرد عليه قائلا "هما قالولنا كده", يأتي احد الاشخاص من العالمين ببواطن الامور ويتحدث عن الفقيد ويثني عليه والناس تستمع في أسي, يبدأ الشيخ الربع الجديد وتعود السامعات الهادرة للعمل, فيضم الشخص صاحب الغيبوبة يده للوضع السابق, ويتوقف صاحب الزوجتين عن الحديث بعد ان وصل لمرحلة متقدمة في الكلام, الشباب اصحاب التيشرتات الصفراء يتعتدلون بدورهم في المجلس والشخص صاحب التلفونين المحمولين يدخل احدهما في جيبه ويبقي الاخر في يده استعدادا للربع الجديد, يمر الشاب الذي يحمل الاكواب للمرة السادسة بأكواب مياه هذة المرة, ينتهي الشيخ من الربع فينظر لي الشخص الذي فاق لتوه من الغيبوبة قائلا "يلا نقوم", اذهب معه لنبدأ رحلة المصافحة علي نفس الناس لكن بطريقة معكوسه, فنبدأ بالشخص الذي يشعر برضا عن نفسه لحد كبير ونستمر في المصافحة حتي أول الصف وقد زاد عن العشرين ببضع انفار.

صافحت الشخصين الذين كانوا يجلسون بجانبي مودعا, وقابلت أمي التي كانت تنتظرني في الخارج وانطلقت معها للبيت.