الأحد، فبراير 28، 2010

حضارة الرجل البسيط


يمكنك ان تقول انه لو اردت ان تضع وصفا دقيقا لامريكا فلن تجد غير انها "حضارة الرجل البسيط" بامتياز.

علي الرغم من تحفظي علي وصف ما هو موجود في امريكا ب "حضارة" فأنا لدي حساسية مفرطة في التفريق ما بين ما هو "حضارة" و"تقدم"، فهناك اختلاف جوهري بين الاثنين، فالحضارة هي نتاج مجموعة من الناس عاشوا الاف في مكان يختلط فيه التاريخ بالمكان بالناس بكل شيء ويكون المزيج النهائي حضارة لها دلالاتها من اثار وفنون وثقافات، اما الاتقدم فهو ان تصل لاقصي التطور العلمي واستخدامة فعليا بين الناس، وعلي هذا فعندنا في مصر حضارة، في الحقيقة اكثر من حضارة (فرعونية، اسلامية، قبطية، إلخ)، بريطانيا لديها حضارة عريقة وكذلك فرنسا، اما دبي ولاس فيجاس وغيرها من هذه المدن فلا شيء غير تقدم، وان كانوا يغالطون كثير في الحديث عن حضارة واشياء اخري من هذا القبيل، لكن اين تريخهم ليتحدثوا عنهأ انا استغرب انني كنت اسير في احد الشوارع هنا في امريكا ووجدت تمثالا ضخما لاحد مؤسسي امريكا تقريبا وهو رجل وسيم يرتدي بدلة كاملة ويلبس حذائا جلديا فاخرا، ليس في تراثهم احدا يمتطي احصنة مثل مصر وتمثال ابراهيم باشا او محمد علي، ولا حتي كان لديهم ملك يجلس علي عرشه مثل بريطانيا، فقط رجل وسيم ببدلة وحذاء جلدي، هذا اقصي تاريخ لهم، لا اقصد طبعا التقليل من تاريخهم، ولكن ليس هناك مجال للحديث عن حضارة في بلد لم تكن موجوده من 200 سنة، مع احترامي الشديد لكل شيء فعلوه، يحتاجون ل 500 سنة علي الاقل لكي نطلق علي ما فعلوه حضارة، لنري ان كانت ستدوم ام انها مجرد فقاعة متقدمة وانفجرت!

المهم تجاوزا عن هذا الامر، كنت اقول ان {الحضارة} الامريكية هي حضارة الرجل البسيط، وهذا يعني ان كل شيء في الاعلام والصحافة والتلفزيون والمنتجات وكذلك انواع السكن والسيارات والملابس والمأكولات وكل شيء، كل شيء مصنوع لكي يستخدمه الرجل البسيط، واسعاره في متناول الرجل البسيط الذي لديه دخل منخفض، فمثلا انت في امريكا يمكنك ان تتناول شطيرة ساخنة بها لحوم بدولار واحد، في مصر مثلا وحدة واحدة من عملتنا –الجنيه- لا تكفي لشراء ساندوتش فول! فكل شيء في امريكا مسخر لرغبات الرجل الامريكي البسيط، وهذا ما يروجوه الامريكيون دائما ب "الحلم الأمريكي" حلم الرخاء والتقدم لجميع الامريكين، فكرة ان كل شيء متاح تقريبا للرجل البسيط جعل المجتمع الامريكي مجتمع استهلاكي عنيف، ونظرا لتوغل الامريكا اقتصاديا في كل دول العالم فانتقل الي العالم نفس المرض المعدي هو الثقافة الاستهلاكية، فكرة انك تشتري شيء لمجرد ان تستطيع شراءه فكرة متخلفة، وتؤدي إالي كوارث اجتماعية متخلفة، فمثلا ليس كل الناس يحتاجون هاتف محمول، لكن لا احد تقريبا ليس معه هاتف محمول، الامر الان بدأ ينطبقي علي الكمبيوترات المحمولة ايضا، وهكذا، عندما تستطيع شراء اي شيء ترديه، انت تشعر ضمنيا بشعور من السيطرة علي ما تفعله ولكن في الحقيقة انت شخص تمت السيطرة عليه واخضاعة لرغبات الاخرين الذين يريدونك ان تشتري منتاجتهم، وتلبس لبسهم، وتتحدث لغتهم وتتابع نتائج انتخابتهم، هذه هي العولمة التي يروجون لها، العولمة التي وصفها د. (جلال أمين) بأنها تسري في اتجاه واحد : منهم إلينا .. بينما المفترض أن تسري في الاتجاهين .. لكن الأمريكي يؤمن أنه ليس لدى الشعوب الأخرى ما تقدمه له إلا فطيرة إيطالية جديدة أو وجبة مكسيكية أو أسلوبًا صينيًا جديدًا في التأمل ...

الرجل الامريكي ايضا شخص ساذج للغاية ولا يعرف اكثر مما سيفعله غدا، انا لا اتحدث عن صقور البنتاجون او علماء ناسا او راند، انا اتكلم عن رجل الشارع الامريكي الذي يعمل طول الاسبوع ليحظي بزجاجة بيرة وفتاه في احضانة ليله السبت، هذا الرجل السطحي الذي كان يتظاهر ضد نيكسون لكي لا يذهب لحرب فيتنام ،أرسل ابنه اليوم إلي حرب العراق وصوت لبوش للمرة الثانية لكي يقتل الارهابين الذي افسدو منهاتن بغبار البرجين، هو الشخص الذي لا يشتري منتجا لم يري اعلانه، الرجل الامريكي رجل منغلق علي نفسه في عنف ولا يري او يسمع غير ما تقوله وسائل الاعلام، لا يزال بعضهم يعتقد اننا في مصر نذهب للعمل صباحا علي جمال ونبات ليلا في الخيام، في الحقيقة، انا لا الومه في هذا، فلو لو وجدت دوله توفر لمواطنها الرجل البسيط كما قلت كل شيء، من سيارة ومسكن ووظيفة وقروض ليزوج ابنته او ليعلم ابنه في الجامعه، الدولة التي توفر له شطيرة ساخنة بها لحوم بدولار واحد، لو اني مواطن في هذه الدولة لما وجدت غير ان اسمع لكل ما تقول وانفذ كل ما تطلب، هذا من بديهايت الامور، لماذا اثور علي دولة توفر لي كل شيء، نعم انه يقتلون العراقين ويضعون الافغان تحت جنزاير الدبابات ولكن، لا يهم فليذهب كل شيء للجحيم ما دام بعيدا عنا، هذه هي ثقافة "أغلب"المجتمع الامريكي، بالتأكيد هناك من يقف ضد هذا الفكر من مثقفين ورجال فكر وسينما مثل مايكل موور، ولكن انا اتحدث عن الرجل العادي.

ليس من العدل عدم ذكر مميزات لهذا البلد الرائع فعلا، كل شيء في أمريكا يبدو لي وكأنه النسخة رقم v2.0 من كل شيء طوره الانسان من قبل، كل شيء يبدو افضل، تصميم الشوارع افضل بقرون من أوربا نفسها، نظام المنازل والمباني، كل شيء نظيف ويتبع نظاما دقيقا، سوف تجد نفسك مرتبك مؤقتا ثم تجد نفسك أيضا تشعر بالامتنان لهذا النظام المتناسق مع نفسه. لماذا يبدو كل شيء وكأنه نسخة مطورة من كل ما رأيت، لاحظ ان أمريكا كان يطلق عليه اسم "العالم الجديد"، هاجر الكثير من الناس من أوربا إالي أمريكا بلد الاحلام لكي يحصل علي ارض جديدة، قد يفسر هذا لماذا كل شيء يبدو ضخما، اقصد مثلا ان زجاجة البيبسي العادية ضعف حجمها في العالم، البطاطس التي تكون موجودة مع الشطائر ضعف الحجم، فاغلب من هجر لامريكا في بدايتها هم فقراء العالم القديم ومعدميهم، فقراء ايرلندا بعد هلاك محصول البطاطس، فقراء انجلترا الهاربين من بطش الاقطاعين، كل هؤلاء وصلوا لامريكا حيث الرزق الوفير، وطبيعة انسانية في الأنسان هو انه عندما يشعر باليسر بعد عسر كبير انه يميل للاسراف، فاصبحت الوجبات والاكلات باحجام هائلة، حتي اصبحت هذه ثقافتهم، لذلك تجد ان نسبة كبيرة من الامريكين بدناء بشكل غير عادي، وفكرة ان اكثر من دولة كانت تشكل الرافد الاساسي لامريكا لذلك قد لا يكون الامريكيين عرق منفصل مثل البراطنين مثلا (الانجلو سكسون) او الالمان (الاري)، او الزنوج (الافريقي)، انما هي خليط من كل ذلك، وان كان اصحاب النفوذ هم البيض الانجلوسكسون.

* * *

الشيء الغريب في هذة السفرة، هو اني علي غير المتوقع لم اشعر بالغربة مثل جميع السفرات السابقة، الامر بدي لي غريبا وغير منطقي في بدايته ثم بدأت ادرك لماذا لم يخامرني شعور الغربة الكئيب، الامر يعود لثلاث اسباب، اثنان عامان، والاخير خاص.

الامر الاول هو ان شعور الغربة عند الانسان موجود دائما، فقط الذي يحدث هو الاشياء التي تثير –أو تثبط- هذا الشعور، فخروجك من غرفتك فيه غربة، خروجك من منزلك فيه غربة، خروجك من مدينتك فيه غربه، واكبرهم خروجك من بلدك، لكن تخيل لو كانت هذه البلد بها اغلب ما في بلدك أشياء، نفس نوعيات وأسماء اماكن للطعام، نفس نوعيات وماركات الملابس، ويتحدثون بلغة تجيديها جيدا، يشاهدون نفس الافلام ويسمعون نفس الاغنيات، يقرأون نفس الرويات، هذا لا يعني ان الامريكان اصبحو عربا أو مسلمين، واقع الامر المؤسف هو اننا الذين اصبحنا أمركيين! عندنا في مصر اصبح كل شيء له طابع أمريكي مميز، نحب انواع الاكل التي يفضلونها، الوجبات السريعة التي انتشرت في كل مكان، الملابس الامريكية التي يرتديها الجميع، الافلام المريكية التي نشاهدها، الرويات الامركية التي نقرأها، الشركات الامريكية التي نعمل بها، واللغة الامريكية التي نتحدثها، لم اشعر بالحيرة التي اشعر بها عندما اذهب لاي بلد، اذا اردت الاكل فانا اعرف مسبقا ماذا سأكل، نفس المطعم الامريكي الذي أأكل منه في مصر، إذا اردت ان تذهب للسينما، ستذهب لتشاهد نفس الفيلم الامريكي الذي رأيت اعلانه في مصر، أذا اردت شراء ملابس اعرف اي ماركة سأشتريها، نفس الماركة الامريكية التي اشتريها من مصر، بل ان شعورك بافتقادك لهويتك يتضاءل كثيرا في امريكا، كل هذه العوامل تساعد علي هذا، لوهلة سوف تشعر انك تنتمي لهم بشكل او بأخر، انت لا تحتاج لقناعين لتتعامل بهم مع الناس، انت لا تمزح مع زميلك بللغة العربية ثم بعدها بدقائق ترسل له رسالة او تحدثه علي الماسنجر باللغة الانجليزية، انت شخص واحد، تتعامل بلغة واحدة طوال الوقت، كل هذا يؤسف له كثيرا اننا اصبحا هكذا، والميزة الوحيدة هي انك لن تشعر بالغربة في بلدك –أقصد بلدهم-، ستشعر وكأنك تذهب للاصول لترى الصورة الحقيقة بدل من تلك التي يرسولنها إلينا.

الامر الثاني هو انه بصفة عامة ستجد ان افضل مكان تسافر إليه وترتاح فيه هو الدول والمدن التي بها الكثير من الجنسيات وليست مغلقة علي اهلها، يرجع هذا إلي انك سوف تجد الناس تعرف وتقدر فكرة اختلافك عنهم، فاغلبهم ليست هذه بلدهم الاصلية بشكل او بأخر، الكل جاء من اماكن مختلفة وثقافات متعدده وعليهم ان يتعايشوا في مكان واحد، ارتحت كثيرا في دبي وامريكا، ولم اشعر بالارتياح ابدا في اسكتلندا واسبانيا، السعودية متوسطة المستوي في هذا لاعتبارات دينية وقومية، لكن نفس فكرة البلد المغلق علي اهله موجودة في السعودية ايضا، مثلا فكرة ان الناس هناك ترتدي الجلباب الابيض كزي يومي وانت تلبس القميص والبنطال تجعلك تشعر بالاختلاف، اما المدن العالمية مثل دبي واغلب المدن الكبري في امريكا فلا تجد هذا، انت شخص عادي مثلك مثل الجميع.

الامر الثالث هو انني اصبحت اكثر اعتيادا علي فكرة السفر والوجود خارج مصر فترات طويلة، أتذكر اول مرة سافرت فيها خارج مصر للعمل وكانت لدبي، علي الرغم من انها رحلة عمل لبلد عربي غير انه كانت تنتابني مشاعر مبهمة من القلق وعدم اعتياد جو الفنادق والمطارات، الان وبعد ثلاث سنوات من السفر المتواصل، الامر اشبه بذهابي للسوبر ماركت لشراء زجاجة مياه، الامر اصبح اعتياديا بشكل كبير، اعرف ما هي افضل شركة طيران اسافر معها، وماذا سافعل عند وجودي في المطار، اصبحت معتادا علي فكرة وجودك في مطار ولا احد معك ليرشدك في اي اتجاه تسير، انت فقط تتبع العلامات، حتي الفنادق احجز في كل مرة في نفس سلسة فنادق الانتركونتننتال العالمية ذات الخمس نجمات, الظريف في هذا انهم يحتفظون بسجل لديهم عنك ومن كثرة حجزي معهم اصبحت عضوا بلاتينيا وهو اعلي مستوي من النزلاء لديهم بعد العادي، والفضي، والذهبي، العضوية البلاتينية هذه ظريفة وتعطيك بعض المميزات الظريف والعناية الخاصة من الفندق مع رصيد من النقاط يمكنني من الذهاب لاي فرع لهم في العالم والمكوث مجانا لمدة اسبوعين او اكثر، ما اود ان اقوله هو ان فكرة السفر اصبحت هينه اكثر ولم تعد مزعجة كالسابق.

ماذا اقول، الحديث ذو شجون ووجودي في امريكا يجعلك تفكر في تلك البلد التي تظل تمقتها وتشتمها لانحيازها الاعمي لاسرائيل، ثم تجد نفسك داخلها ومنبهر جدا بها، وتستلذ جدا شطيرة اللحوم الساخنة وزجاجة البيبسي وانت تشاهد احدث أنتاجها من الافلام.

الأربعاء، فبراير 17، 2010

في بلاد العم سام

فجأة تذكرت ان الرخصة الدولية الخاصة بي انتهت منذ شهور، تذكرت هذا في الثانية صباحا قبل السفر بيوم، هذا يعني ان اليوم التالي سوف يكون شاقا جدا فسيكون علي الذهاب إلي ادارة مرور القاهرة ثم بعد ذلك علي الذهاب الي نادي السيارات الدولي لاستخراج الرخصة، لم يكن هذا مخططا، لكن وجدتها فرصه للذهاب لوسط البلد لشراء كتاب دكتور جلال امين الجديد "رحيق العمر" وهنا التقطت عدة صور للقاهرة، المهم تم الامر بنجاح والحمد لله وهنا بدأت الرحلة رسميا!

(أضغط علي الصورة للتكبير)

يمكنك الذهاب للولايات المتحدة اما عن طريق طائرة مصر للطيران المتجهة الي نيويورك او ان تنزل ترانزينت في فرانكفورت او باريس ومن هناك تنطلق لامريكا، اخترت فرانكفورت لان التذكرة ارخص وايضا لسابق معرفتي بها.

في الطائرة المتجهة الي فرانكفورت والتي انطلقت من القاهرة في الرابعة فجرا علي الخطوط الالمانية لوفتهانزا، هذة هي المرة الثانية لي معهم بعد تجربتي المريرة السابقة، المهم جلست بجانب شخص سويدي يسمي هانز، بدأت معه الحديث فسوف تكون الرحلة طويلة –اربع ساعات- وليس معي غير كتاب "رحيق العمر" للدكتور جلال امين، لن استطيع القراءة طوال الوقت لذا من الافضل ايجاد شيء اخر مسلي لافعلة، فانا لن استطيع النوم باي حال لاني لا استطيع النوم بسهول في شىء متحرك (سيارة، اتوبيس، طائرة).

هانز يعملي في شركة اريكسون كمدير لخدمات البرمجيات في فرعها بالسويد، اخبرته اني اعمل كمهندس في خدمات المعلومات وكان مسرورا بهذا، جاء هانز للقاهرة لمدة اسبوع لعمل تقيم لفرع الشركة في مصر ودراسة امكانية التوسع هنا، اخبرني انه سر كثير بالمستوي الذي وجده هنا وسره اكثر ان اغلب الموظفين في الفرع من الشباب دون الثلاثين عاما، هانز يبدو في الاربعين من عمره ومتزوج ولدية فتاتين اكبرهما عندها عشرين عاما، اخبرته ان معني هذا انه تزوج صغير فاجاب نعم، سالته ان كان سعيدا بقرار الزواج مبكرا فقال الامر له مزايا وعيوب، لن تستطيع التركيز كثيرا في عملك لكنك ستكون مستقرا كثيرا وهذا مهم، سألته ان كان يرغب ان ابنته تتزوج صغيرة فقال الامر كله يعود لهم، لن اتدخل في مثل هذة الامور، اخبرته انا والدي تعامل معي بنفس المنطق، فابي يقول لي انا واخوتي ان هناك قرارين مهمين لا استطيع التدخل فيهم –التعليم، والزواج-.

سألته ان كان يفضل العمل في شركات ام لديه خطط لعمل شركة خاصة به، فقال انه لديه خطط ولكن ليس في مجال العمل، لديه خطط لتعلم الجيتار، ويفكر جديا في تكوين فرقة لممارسة هوايته المفضلة/ هانز ذهب لدول كثيرة في المنطقة، ومكث في السعودية 5 سنوات ويستطيع نطق بعض الكلمات العربية، سألته ان كان قرأ عن الاسلام فقال انه مهتم به ولكن لم يقرا كثيرا، ويحتار جدا في التفريق بي المسلمين الشيعة والسنة، اخبرته عن الفرق بينهم في ايجاز وان الاصل هم اهل السنة وان الشيعة تعتبر فرقة منشقة عن الجماعة، تحدثت مع هانز لمدة ساعة تقريبا ثم تركته –او تركني هو- لكي ينام!

وصلت الي فرانكفورت في الثامنة صباحا، المطارات الضخمة مثل مطار فرانكفورت قد تتوه فيها بسهولة تامة اذا لم تنتبه لما تفعلة جيدا، معياد الرحلة المتجه الي اطلانتا في ولاية جورجيا في الثانية عشر هذا يعني ان امامي 4 ساعت تقريبا قبل الاقلاع.

فرانكفورت كانت ممتلئة بالثلوج تماما، هانز اخبرني ان هذا طقس معتاد هنا، كنت اتوقع ان تكون البوابة التي سيتم الاقلاع منها الي امريكا قريبة من بوابة الدخول الي فرانكفورت ولكن خاب ظني، فقد ظللت اسير مسافة طويلة واخذت قطارا يسير وسط الثلوج حتي اصل الي البوابة الاخري، مرة اخري يجب ان تنتبه جيدا للعلامات التي تقودك حتي لا تجد نفسك في المكان الخطا وتضيع عليك الرحلة، لم تجد هناك شيء يقودنك غير العلامات المعلقة واعتمادك التام علي ذكائك الشخصي!

(أضغط علي الصورة للتكبير)

وصلت عند البوابة المطلوبة وهناك فردت جسدي قليلا ونمت لمد ساعة تقريبا واستيقظت علي معياد الطائرة، لا ادري لماذ لا ارتاح عند زيارة اوربا اشعر بانقباض غريب عند رؤية اهلها ذوي الشعر الاشقر والبشرة البيضاء، هناك شيء ما غير مريح في هذا لا ادري ما هو تحديدا، ايضا ما اثار انتباهي بشدة هو ان ان اغلب الناس هناك في اوربا والمانيا تحديدا كبار في السن، عامل النظافة، مضيفة الطائرة، رجل الامن، البائع في المحل كلهم يقتربون من الخميسين، عندنا في مصر هذة الوظائف عادة يشغلها شباب صغار في السن!

المهم ركبت الطائرة في رحلة ستستغرق عشر ساعات كاملة، من المفترض عند الوصول ان اجد سيارة خاصة بي تنتظرني في المطار، سوف اقودها بنفسي لمكان الفندق الذي لا اعلم شيئا عنه غير العنوان، المطار يبعد عن الفندق حوالي اربعين ميلا، تقريبا 60 كيلو متر، سأصل في الساعة السادسة تقريبا، ولكن كل من سبقني في هذة الرحلة اخبرني اني "هتبهدل" في المطار بسبب الاجراءات الامنية التي تم استحداثها بعد حادثة الشاب النيجيري عبد المطلب، كان عندي برد بشكل غريب، اعطس باستمرار وعندي ما يشبه الزكام، في داخل الطائرة اشفق علي احد الركاب من حالة البرد واعطاني برشامة لمنع البرد، المهم وصل المطار في السابعة تقريبا وهنا وجدت مفاجئة غير سارة ان هناك عاصفة ثلجية تجتاح اطلانتا كلها، الناس داخل الطائرة من سكان اطلانتا كانوا متفاجئين واخبرني احدهم انهم لم يروا الطقس بهذا السؤ منذ زمن، كنت اتمني كثيرا لو اني رايت ثلوجا وسرت وسطها، لكن ليس بمثل هذا السؤ، الجو كان عجيبا وباردا جدا!

(أضغط علي الصورة للتكبير)

مرة اخري المطار ضخم جدا ولكي استلم الشنط كان علي ان اركب قطارا مرة اخري حتي اصل لمكان الشنط، الامر ليس سهلا كقراءة هذة السطور، الانسان عادة ما يشعر بالارتباك من الاماكن الجديدة، والبلاد الجديدة، دع عنك انك اصلا متهم بلارهاب وتم عمل اجراءات امنية غريبة علي حيث تم احتجازي والتحقيق مع من قبل ضابط لاامن في المطار مما اصابني بالقلق والتوتر من هذا الجو الامني وجو الارتياب المنتشر في المكان، هناك يصنفون الداخلين عدة مستويات، الاخضر: يعني لا خطر، الاصفر متوسط الخطورة، الاحمرة منتهي الخطورة، حزت والحمد لله علي المستوي الاحمر بجدارة متوقعة، الذقن والاصول العربية الاسلامية كان المبرر لهذا، المهم بعد التأكد من عدم وجود خطورة متوقعة من شاب في السابعة والعشرين يعمل مهندس برمجيات في شركة امريكية ضخمة، فتركوني وشأني!

بعد نزولي من القطار جلست لانتظر الشنط ان تخرج من التفتيش لمدة ساعة تقريبا حتي احنوا علي وتركوها، كان علي عند أذا ان استقل قطارا اخر من خارج المطار للوصول لمكان انتظار السيارة، هذة المعلومات بالمناسبة لا تعرفها مسبقا، انت تعرفها في وقتها، انت لا تعرف انك ستنزل عند بوابة رقم كذا ومن ثم تستقل القطار الي بوابة رقم كذا ثم تاخذ شنطتك وتركب قطار اخر، كل هذا لا تعرفه مسبقا، انت فقط تعرفه في وقتها وتعتمد بشكل كبير علي ذكائك في تتبع العلامات المعلقة.

وصلت لشركة السيارات التي حجزت معها من مصر، الاجراءات بسيطة للغاية والرجل اخبرني بمكان انتظار السيارة في الجراج الخاص بالمطار، الحمد لله هذة المرة لن اركب قطارات اخري، الرجا اخبرني اني سأجد السيار وفي داخلها المفتاح.

وصلت للسيارة وكانت تويوتا كورولا 2010 وقد كانت مغطاة بالثلج من الخلف، وضعت الشنط وبدأت التحرك، ليس معي غير عنوان الفندق وجهاز للتوجيه العالمي GPS لكي اعتمد عليه، بدأت السير وسط الثلوج، هذه اول مرة لي في امريكا، واول امرة اري فيها ثلوج، واول مرة اقود سيارة علي الثلوج، وولا اعرف اتجاهات الطرق جيدا، والجو بارد جدا وعندي برد اصلا، ولم انام منذ 30 ساعة علي الاقل، كل هذا وانا في السيارة واحاول ان اعرف طريقي!

(أضغط علي الصورة للتكبير)

زملاء العمل الذين سبقوني كان يأخذون تاكسي من المطار للفندق حتي يعرفون الطريق ثم يعودون ويأخذون السيارة، او ان يكون هناك شخصان فأحدهما يكون مسئولا عن جهاز التوجيه والاخر يقود، في حالتي كان المفروض ان افعل الاثنين، هذا ادي بي الي الدخول في اماكن خطأ عدة مرات، ينتاب الانسان عادة احساس غريب بالتوتر عند احساسة بالضياع، عدم وصولي للطريق بسرعة جعلني اشعر بالتوتر كثير حتي وصلت للطريق السريع رقم 400 الذي يربط بين مدينة اطلانتا ومدينة الفا-ريتا التي سأنزل بها، عرفت طريقي والحمد لله ووصلت بعد 40 ميل تقريبا الي الفندق في العاشرة مساءا بتوقيت امريكا –السابعة صباحا بتوقيت مصر، هذا يعني انا منذ خرجت من القاهرة حتي الان مضي علي ثلاثون ساعة تقريبا.

تجربة مثيرة وشاقة جدا، ثلاثون ساعة مدة السفر وركوب الطائرات وقيادة السيارة والتوهان داخل المدينة مع وجود البرد والثلوج وعدم النوم منذ ثلاثين ساعة تقريبا كل هذا ادي بي الي ان ارتميت علي السرير بمجرد دخولي للغرفة ودخلت في غيبوبة نوم عميقة جدا...